X أغلق
X أغلق
الرئيسيه كفر كنامحلياترياضةبرامج يلا نتمدارس وتخريجاتفلسطيناخبار عالميةاقلام ذهبيةاجتماعياتتكنولوجيا

اقلام ذهبية

نفحات رمضانيّة - الشيخ كمال خطيب


موقع يلا 19-05-2017 14:44:33

 بين يدي شهر رمضان المبارك، شهر القرآن وشهر الغفران، فإنها لفتات وهمسات تهيّئ نفوسنا لاستقبال هذا الضيف الغالي، لنحسن وفادته بما يليق بمقامه السامي ومكانته المميزة. 

الصوم يحررنا من الأسر 

قال الدكتور خالد أبو شادي في كتابه "جرعات الدواء" : (أفضل ما في الصوم أنه يحرر الإنسان من سلطان غرائزه وقيود شهواته، ويتيح له أن ينطلق من سجن جسده ويتحكم في مظاهر حيوانيته، ويلتحق بالملائكة في السمو إلى المستوى الإيماني الرفيع، وصون حواسه عن الشرور والآثام، إنه كسر القيد الثقيل وتنسم نسائم الحرية. وهل الحرية إلى حرية القلب؟ 
قال شيخ الإسلام بن تيمية: "فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن، لأن القلب الذي هو مَلِكُ الجسد إن كان مستعبَدا لغير الله فهذا هو الذل والاستعباد. ولو كان صاحبه في الظاهر هو سيد الناس وملكهم. فالحرية حرية القلب والعبودية عبودية القلب". 
ولقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم لأمراض القلب التي تجعله مستعبَدا ذليلا، الدواءَ الذي ينزل على القلب نزول الماء من الظمآن، لمّا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ألا أخبركم بما يُذهب وَحرَ الصدر؟ صوم ثلاثة أيام من كل شهر}. الوحر هو الغش والوساوس والحقد والعداوة. هكذا يكون تأثير ثلاثة أيام من كل شهر، فكيف بتأثير ثلاثين يوما هي أيام شهر رمضان؟! 

أما عن سر فاعلية دواء الصيام وقوة تأثيره فقد أجاب عن ذلك ابن قدامة المقدسي في كتابه "مختصر منهاج القاصدين" لما قال: (إنه قهر لعدو الله، لأن وسيلة العدو الشهوات، وإنما تقوى الشهواتُ بالأكل والشرب، وما دامت أرض الشهوات مخصِبة، فالشياطين يترددون إلى ذلك المرعى، وبترك الشهوات تضيق عليهم المسالك). 
ولأن الروح سماوية علوية، والجسد أرضي سفلي، وكانت منافذ الروح تغلق بالشبع وملء البطون، وتُفتح بالصوم ومكابدة الجوع، ذلك أن الصوم يضعف سيطرة البدن على الروح فتتحرر تلك النفحة العلوية في الإنسان من براثن الجسد والشهوات المقيدة، وتنتصر على ما كان يغلبها في الماضي، ولسان حال القلب يقول: 

وانكسر القيد يا روحي               وحانت ساعة النصر 

ولذلك فقد جاء رمضان ليكون جرعة إجبارية سنوية يتناولها كل مسلم، لينال الجميع من هذه الجرعة الحد الأدنى والفائدة الأساسية المرتجاة؛ فضلا من الله ونعمة. 

# السباق بين أبي موسى الأشعري وبين الحسن البصري

عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا موسى على سريّة في البحر، فينما هم كذلك، قد رفعوا الشراع في ليلة مظلمة، إذا هاتف فوقهم يهتف: يا أهل السفينة! قفوا لأخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه، أنه من أعطش نفسه له في يوم صائف سقاه الله يوم العطش. قال: فكان أبو موسى الأشعري يتوخى اليوم الشديد الحر فيصومه. 
فإذا كان أبو موسى يختار اليوم الشديد الحر فيصومه، لأنه يعلم أن في صيامه الشفاء والدواء، فلماذا لا يكون أحدنا مثل أبي موسى فنختار اليوم الشديد الحرّ فنصومه؟ نعم، ليكن هذا ميدان السباق وميدان المنافسة. 

وإذا كان أبو موسى الأشعري يسابق باختيار اليوم الشديد الحر فيصومه، فإن الحسن البصري قد قبل المنافسة والتحدي، وهو الذي سمى وأطلق على من يصومون في الأيام الشديدة الحر أسم "الرعيل الأول"، ذلك لأنهم تقدموا صفوف الأتقياء، وسبقوا صفوة الأنقياء. فعن حسن البصري- رحمه الله تعالى- أنه عُرض عليه طعام فقال: إني صائم. فقيل له: في هذا اليوم الشديد الحر؟! فقال: إني أحب أن أكون من الرعيل الأول. 

# بين حر البصرة وحر الشام 

إنه عامر بن قيس، وقد انتقل من البصرة إلى الشام. فكان معاوية بن أبي سفيان- رضي الله عنه- يسأله ويطلب منه أن يرفع له حوائجه ليسيّرها له فلا ينقص عليه شيء، وهو في بلد غير بلده وأهل غير أهله. فكان عامر بن قيس يأبى ويرفض. فلما ألح عليه معاوية، قال له عامر: (إن حاجتي إليك أن ترد عليّ من حر البصرة، لعل الصوم أن يشتد عليّ شيئا، لأنه يخفّ علي في بلادكم). 

إن عامر بن قيس كان يريد بهذه الأمنية، وهو يعلم أنها لن تتحقق، أن يعلّم الناس الصبر على العطش ليوم العطش الأكبر، وأن يتحمل مشقته ليوم تشيب فيه الولدان وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد. إنه كان يريد صيام أيام الحر والحرور ليكون هذا سببا في أن يستظل يوم القيامة تحت ظل عرش الله سبحانه، يوم لا ظل إلا ظله. 

# الحجاج والأعرابي 

خرج الحجاج ذات يوم فأصحر (دخل في عمق الصحراء) وحضر وقت غدائه، فقال: أطلبوا من يتغدى معي. فطلبوا وبحثوا في جوار المكان الذي نزلوا فيه فوجدوا أعرابيا في شملة فأتيَ به. فقال: السلام عليكم. فقال الحجاج: هلم ايها الأعرابي. 
قال الأعرابي: لقد دعاني من هو أكرم منك فأجبته. 
قال الحجاج: ومن هو الذي دعاك؟ 
قال الأعرابي: دعاني ربي للصوم، فأنا صائم. 
قال الحجاج: وصوم في مثل هذا اليوم الحار؟!
قال الأعرابي: صمتُ ليوم أشد منه حرًّا.
قال الحجاج: أفطر اليوم وصُمْ غدًا. 
قال الأعرابي: أوَيضمن الأمير أن أعيش إلى الغد؟ 
قال الحجاج: ليس ذلك إليَّ، فعِلمُ ذلك عند الله. 
قال الأعرابي: فكيف تسألني عاجلاً بآجلٍ؟!
قال الحجاج: ولكنّ طعامنا طيب.
قال الأعرابي: والله ما طيَّبه خبّازُك وطباخك. 
قال الحجاج: فمن طيبه إذن. 
قال الأعرابي: طيبته العافية. 
قال الحجاج: تالله ما رأيت مثل هذا الأعرابي، ولا مثل هذا اليوم. 

# لعل مسروق يسرق قلبك 

فإذا كانت قصة الحجاج مع الأعرابي لم تليّن قلبك، وتجعلك لا تجزع من أيام الحر، ولا تحسب الحساب، وتروح تولول من حر صيف رمضان القريب، فاستمع إلى قصة الإمام مسروق؛ فلعله يسرق قلبك ويليّنه ويرده إليك. إنها قصة مسروق يدلنا كيف نعمل لتلطيف حر يوم القيامة، وأن السبيل ليس إلا بصيام الأيام الشديدة الحر في الدنيا. فعن الإمام الشعبي قال: (غُشي على الإمام مسروق في يوم صائف وهو صائم، فقالت له ابنته:  أفطر يا أبتي. قال: ما أردت بي يا بُنية؟ قالت: الرِّفق! قال: يا بنية، إنَّما طلبتُ الرِّفق لنفسي في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. 
ومثل الإمام مسروق فإنه حسين بن رستم الأيلي في رجولته وصدقه وإيمانه، وهو الذي دخل على قوم في يوم شديد الحر، كان هو فيه صائما وآثار التعب والإرهاق بادية عليه، فقالوا له: أفطر، فهذا الصوم صوم نافلة لن يحاسبك الله على إفطاره، وأنت بالذي عليه من العطش. فقال الرجل: إني وعدت الله وعدا، وأنا أكره أن أخلف وعدي مع الله سبحانه. 

# مع الصيام يحلو الرجاء 

إننا نعلم أن أعمالنا، مهما كثرت وعظمت وكانت صادقة، فإنها وحدها لن تدخلنا الجنة، إلا أن يتغمدنا الله سبحانه برحمته. لذلك فليس للعبد إلا أن يطير ويحلق بجناحين: جناح العمل وجناح الرجاء. 
ولقد فهم ذلك الرجلُ الصالح قيمة الرجاء ودلالاته، وهو الذي كان يُحتضَر، وقد بلغ من العمر عتيا، حتى أنه كانت تغشاه غيبوبة ثم يفيق منها، وكان يجلس عند رأسه صديق صادق له، وكلما أفاق من غيبوبته ومن سكرات الموت فكان يذكّره بالله ويوصيه بحسن الظن بربه، وأن يظل يرجوه. وفي واحدة من لحظات صحوة، وقد سمع من صديقه نصيحته، فنظر إليه مبتسما يطفح وجهه بالبشر والأمل قائلا: (وكيف لا أرجوه وأنا الذي صمت له أكثر من ثمانين رمضانا). إنه يقصد أنه ومنذ صغره وحتى بلغ من العمر ما بلغ فإنه كان يصوم رمضان ولا يفطر، فكان أن صام رمضان ثمانين مرة في حياته. 

# والقرآن ورمضان يشفعان 

ومثل ذلك الرجل الصالح في حسن الظن بربه وصدق الرجاء بعفوه، فإنه كان عبد الله بن إدريس، والذي لما احتُضِرَ واشتد عليه الكرب وأخذ يشهق شهقات، فبكت ابنته، لكن الله سبحانه منّ عليه بلحظات فيها نظر إلى ابنته الباكية عليه فقال لها: لا تبكي يا ابنتي، فوالله إن أباك قد ختم القرآن في رمضان في هذا المكان أكثر من أربعة آلاف مرة، استعدادا لهذه اللحظة، وإنني على أمل ورجاء بالله أن القرآن الذي تلوته ،ورمضان الذي صمته سيشفعان لي عند ربي، فلا تبكي يا ابنتي. 

# شاطئ التقوى. 

لقد قال مولانا سبحانه في آية الصوم: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) 183 سورة البقرة. فإن من أهم أهداف الصيام التي أراد لنا ربنا أن نحققها، أن نصل إلى حقيقة التقوى، وهي ولا شك مرتبة عظيمة أن يكون العبد من الأتقياء. ولكن عبادة الصيام لا بد ألا تقتصر على حرمان البطن من الطعام والشراب ،وإنما بأن تصوم كل جوارح العبد من شهواتها وعما حرم الله سبحانه. فكما قال الدكتور خالد أبو شادي في كتابه "جرعات الدواء": (فيا ركب الشفاء وقافلة المهتدين: ليس الصوم امتناعا عن الطعام والشراب فحسب، بل صونا للجوارح عما حرّم الله سبحانه، وكل الصائمين يبحر في بحر الصوم، لكن كم منهم من يصل إلى شاطئ التقوى؟ قال ميمون بن مهران: إن أهون الصوم ترك الطعام والشراب) يقصد أن صوم اللسان وصوم العين وصوم الأذن وصوم النفس الأمّارة بالسوء هو أصعب من صوم البطن من الطعام والشراب. 
ولو صام المسلمون حقا لكان الحال غير ما نحن فيه اليوم، ولاختفت مظاهر الفُحش وسوء الخلق والأثرة والأنانية والحقد من بيننا ومن مجتمعاتنا، ولرضي عنا ربنا سبحانه وتعالى، ولتغيرت أحوالنا في دنيانا ولأكرمنا الله في آخرتنا. ولكن منا كثير من يصومون ولا يصومون. إنهم يصومون عن الطعام ،ولكنهم لا يصومون عن أشياء أخرى كثيرة حرّمها الله سبحانه. 

اللهم أهلّ علينا هلال رمضان باليمن والإيمان والسلامة والإسلام. اللهم اجعله هلال رشد وخير، وفرج وتمكين وفتح مبين، ونصر للإسلام والمسلمين يا رب العالمين. 

رحم الله قارئا دعا لنفسه ولي ولوالدي بالمغفرة 
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

نفحات رمضانيّة - الشيخ كمال خطيب

أضف تعقيب

أسعار العملات
حالة الطقس
ايلات
النقب
الناصره
القدس
الجولان